العيني

122

عمدة القاري

في ذلك ) ، هذه رواية الأصيلي ، وفي رواية أبي ذر : ( فقيل ذلك ) ، أي : فيما ذكر من صلاة عثمان أربع ركعات . قوله : ( فاسترجع ) أي قال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، كراهة مخالفته الأفضل . قوله : ( ومع عمر ركعتين ) زاد الثوري عن الأعمش : ( ثم تفرقت بكم الطرق ) أخرجه البخاري في الحج من طريقه . قوله : ( فليت حظي من أربع ركعات ركعتان ) ، وليس في رواية الأصيلي ( ركعات ) . قوله : ( حظي ) أي : نصيبي ، وكلمة : من في : ( من أربع ) للبدل كما في قوله تعالى : * ( أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ) * ( التوبة : 83 ) . وقال الداودي معناه : إن صليت أربعا وتكلفتها فليتها تتقبل كما تتقبل الركعتان . ذكر ما يستنبط منه : قال بعضهم : هذا الحديث يدل على أن ابن مسعود كان يرى الإتمام جائزا وإلاّ لما كان له حظ من الأربع ولا من غيرها ، فإنها تكون فاسدة كلها ، وإنما استرجع لما وقع عنه من مخالفته الأولى ، ويؤيده ما روى أبو داود أن ابن مسعود ، رضي الله تعالى عنه ، صلى أربعا ، فقيل له : عبت على عثمان ثم صليت أربعا ؟ فقال : الخلاف شر . ورواية البيهقي إني لأكره الخلاف ، ولأحمد من حديث أبي ذر مثل الأول ، وهذا يدل على أنه لم يكن يعتقد أن القصر واجب ، كما قال الحنفية ، ووافقهم القاضي إسماعيل من المالكية وأحمد . وقال ابن قدامة : المشهور عن أحمد أنه على الاختيار ، والقصر عنده أفضل ، وهو قول جمهور الصحابة والتابعين . قلت : هذا القائل تكلم بما يوافق غرضه ، أما قوله هذا يدل على أن ابن مسعود ، رضي الله تعالى عنه ، كان يرى الإتمام جائزا ، فيرده ما قاله الداودي : إن ابن مسعود كان يرى القصر فرضا ، ذكره صاحب ( التوضيح ) وغيره ، ويؤيده ما قاله عمر بن عبد العزيز ، رضي الله تعالى عنه : الصلاة في السفر ركعتان لا يصح غيرهما ، وقال الأوزاعي : إن قام إلى الثالثة فإنه يلغيها ويسجد سجدتي السهو . وقال الحسن بن حي : إذا صلى أربعا متعمدا أعادها ، وكذا قال ابن أبي سليمان ، وأما قوله : ويؤيده ما روى أبو داود أن ابن مسعود صلى أربعا ، فإنه أجاب عن هذا بقوله : الخلاف شر ، فلو لم يكن القصر عنده واجبا لما استرجع ، ولما أنكر بقوله : ( صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين . . . ) إلى آخر الحديث ، وأما قوله المشهور عن أحمد : إنه على الاختيار ، فيعارضه ما قاله الأثرم . قلت لأحمد : للرجل أن يصلي أربعا في السفر ؟ قال : لا ما يعجبني . وحكى ابن المنذر في ( الأشراف ) : أن أحمد قال : أنا أحب العافية عن هذه المسألة . وقال البغوي : هذا قول أكثر العلماء . وقال الخطابي : الأولى القصر ، ليخرج عن الخلاف . وقال الترمذي ، رحمه الله تعالى : العمل على ما فعله رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكر وعمر ، رضي الله تعالى عنهما ، وهو القصر ، وهو قول محمد بن سحنون ورواية عن مالك وأحمد ، وهو قول الثوري وحماد ، وهو المنقول عن عمر وعلي وجابر وابن عباس وابن عمر ، رضي الله تعالى عنهم ، وبهذا يرد على هذا القائل في قوله : وهو قول جمهور الصحابة والتابعين . وقال هذا القائل : واحتج الشافعي على عدم الوجوب بأن المسافر إذا دخل في صلاة المقيم صلى أربعا باتفاقهم ، ولو كان فرضه القصر لم يأتم مسافر بمقيم ، والجواب عن هذا : أن صلاة المسافر كانت أربعا عند اقتدائه بالمقيم لالتزامه المتابعة ، فيتغير فرضه للتبعية ولا يتغير في الركعتين الأخريين ، لأنه ما كان فرضا لا بد من إتيانه كله ، وليس له خيار في تركه . وإيراد ابن بطال بأنا وجدنا واجبا يتخير بين الإتيان بجميعه أو ببعضه ، وهو لإقامة بمنى غير وارد ، لأن الإقامة بمنىً اختياره وليس هو مما نحن فيه ، لا يقال : إن اقتداء المسافر بالمقيم باختياره ، لأنا نقول : نعم باختياره ، ولكن عند الاقتداء يزول اختياره لضرورة التزام التبعية . فافهم . فإذا احتج الخصم بقوله تعالى : * ( فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ) * ( النساء : 101 ) . بأن لفظة : * ( لا جناح ) * يدل على الإباحة لا على الوجوب ، فدل على أن القصر مباح ، أجبنا عنه : بأن المراد من القصر المذكور هو القصر في الأوصاف من ترك القيام إلى القعود ، أو ترك الركوع والسجود إلى الإيماء لخوف العدو ، بدليل أنه علق ذلك بالخوف ، إذ قصر الأصل غير متعلق بالخوف بالإجماع ، بل متعلق بالسفر ، وعندنا قصر الأوصاف عند الخوف مباح لا واجب ، مع أن رفع الجناح في النص لدفع توهم النقصان في صلاتهم بسبب دوامهم على الإتمام في الحضر ، وذلك مظنة توهم النقصان ، فرفع ذلك عنهم ، وإن احتج بما رواه مسلم والأربعة ( عن يعلى بن أمية ، قال : قلت لعمر ، رضي الله تعالى عنه . . ) الحديث ، وقد مضى عن قريب ووجه التعلق به أنه علق القصر بالقبول وسماه صدقة ، والمتصدق عليه مخير في